السيد علي عاشور

146

موسوعة أهل البيت ( ع )

سرّا فنظر إلى أصحابه وقال : ما دون هؤلاء سر ، فقلنا : أخبرنا الراكب بقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة ، فقال : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون رحمة اللّه عليهما ، فقلنا : ننشدك اللّه إلّا انصرفت من مكانك وإنّا نتخوّف عليك ، فنظر إلى بني عقيل فقال : ما ترون فقد قتل مسلم ؟ فقالوا : ما نرجع حتّى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق ، فقال : لا خير في العيش بعد هؤلاء الفتية ، فعلمنا أنّه عزم على المسير ، فقلنا له : خار اللّه لك . وفي رواية أخرى : إنّه لمّا أخبر بقتل مسلم أما إنّه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا ، ثمّ قال شعرا : فإن تكن الدّنيا تعدّ نفيسة * فدار ثواب اللّه أعلى وأنبل وإن تكن الأبدان للموت أنشئت * فقتل امرء بالسيف في اللّه أفضل وإن تكن الأرزاق قسما مقدّرا * فقلّة حرص المرء في الرزق أجمل وإن تكن الأموال للترك جمعها * فما بال متروك به الحرّ يبخل ثمّ سار حتّى مرّ ببطن العقبة فلقيه شيء من بني عكرمة ، فقال للحسين عليه السّلام : أنشدك اللّه لما انصرفت فو اللّه ما تقدم إلّا على الأسنّة وحدّ السيوف فقال : لا يخفى عليّ الرأي ولكن اللّه تعالى لا يغلب على أمره ، ثمّ قال : واللّه لا يتركونني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي فإذا فعلوا سلّط اللّه عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ فرق الأمم ، ثمّ سار حتّى انتصف النهار فبينما هو يسير إذ كبّر رجل من أصحابه فقال له الحسين عليه السّلام : لم كبّرت فقال : رأيت النخل ، قال جماعة من أصحابه : ما عهدنا هنا نخلا ، فقال الحسين عليه السّلام : ما ترون ؟ قالوا : نرى أسنّة الرّماح وآذان الخيل . فقال : وأنا أرى ذلك فأخذوا ذات اليسار وطلعت عليهم هوادي الخيل وجاء القوم زهاء ألف فارس مع الحرّ حتّى وقفوا مقابل الحسين عليه السّلام في حرّ الظهيرة فقال الحسين عليه السّلام لأصحابه : اسقوا القوم واسقوا خيولهم من الماء ففعلوا ، وكان ابن زياد بعثه يستقبل الحسين فلم يزل الحرّ موافقا للحسين وقال : إنّ ابن زياد لم يأمرني بقتالك ولكن أمرني أن أدخلك الكوفة فلم يقبل عليه السّلام وأخذا طريقا وسطا حتّى وصلا إلى نينوى فدفع كتابا إلى الحرّ فيه : إذا أتاك كتابي فجعجع بالحسين وأصحابه ولا تنزله إلّا بالعراء في غير خضرة ولا ماء « 1 » . * * *

--> ( 1 ) بحار الأنوار : 44 / 380 .